ابن كثير
478
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال الترمذي « 1 » : [ باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين ] حدثنا قتيبة ، حدثنا أبو عوانة عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أم سلمة ، قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » هذا حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وغيرهم ، أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين ، وما كان بعد الحولين الكاملين ، فإنه لا يحرم شيئا ، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام هي امرأة هشام بن عروة . ( قلت ) تفرد الترمذي برواية هذا الحديث ورجاله على شرط الصحيحين . ومعنى قوله « إلا ما كان في الثدي » أي في محال الرضاعة قبل الحولين ، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن وكيع ، وغندر عن شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب ، قال : لما مات إبراهيم بن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : « 7 ن ابني مات في الثدي ، إن له مرضعا في الجنة » ، وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة وإنما قال عليه السلام ذلك ، لأن ابنه إبراهيم عليه السلام ، مات وله سنة وعشرة أشهر ، فقال : إن له مرضعا ، يعني تكمل رضاعه ، ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين » ثم قال : ولم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل ، وهو ثقة حافظ . ( قلت ) وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد ، عن ابن عباس مرفوعا ، ورواه الدراوردي عن ثور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وزاد « وما كان بعد الحولين فليس بشيء » وهذا أصح . وقال أبو داود الطيالسي ، عن جابر ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا رضاع بعد فصال ، ولا يتم بعد احتلام » وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى : وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي [ لقمان : 14 ] ، وقال وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين ، يروى عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عمر وأم سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والجمهور ، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية ، وعنه أن مدته سنتان وشهران ، وفي رواية : وثلاثة أشهر . وقال أبو حنيفة : سنتان وستة أشهر . وقال زفر بن الهذيل : ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين ، وهذا رواية عن الأوزاعي ، قال مالك : ولو فطم الصبي دون الحولين ، فأرضعته امرأة بعد فصاله ، لم يحرم لأنه قد صار بمنزلة الطعام ، وهو رواية عن الأوزاعي ، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا : لا رضاع بعد فصال ، فيحتمل أنهما أرادا الحولين ، كقول الجمهور : سواء فطم أو لم يفطم ويحتمل أنهما أرادا الفعل كقول مالك ، واللّه أعلم .
--> ( 1 ) سنن الترمذي ( رضاع باب 5 )